القدّيس بندكْتُس
المرجع الأساس لسيرة حياة القدّيس بندكتُس (بالعربيّة مبارك)، الذي تعيّد له الكنيسة في الرابع
عشر من شهر آذار، وضعه الكاتب البليغ واللاهوتيّ العلاّمة القدّيس غريغوريوس الكبير (بابا رومية من العام 590 إلى 604)، وهو المعروف
في الكنيسة الأرثوذكسيّة بالقدّيس غريغوريوس "الذّيالوغوس" أي "المحاوِر"، وتعيّد له
الكنيسة في الثاني عشر من شهر آذار. ففي كتابه "الحوارات"، الذي يغلب
عليه الطابع القصصيّ وتكثر فيه الأمثال ذات المغزى الأدبيّ، يخصّص القدّيس غريغوريوس للقدّيس بندكتس الجزء
الثاني من حواراته.
وُلد بندكتُس في
إقليم نُرسي القريب من رومية في حوالى العام 480. لجأ
في شبابه إلى مغارة منعزلة تقع بالقرب من أحد الأديرة في سوبياكو،
المنطقة الجبليّة القريبة من رومية، ليعيش فيها متوحّدًا منصرفًا إلى الصلاة
والعبادة. وفي غضون سنوات قليلة لحق به آخرون للصلاة
معه، ثمّ لمشاركته في نمط عيشه. وبعد أن تقدّم في حياة التوحّد، وأصبح قادرًا على
أن يكون مرشدًا روحيًّا، أنشأ هناك اثني عشر ديرًا صغيرًا أشرف عليها وأدار شؤونها.
كما أنشأ ديرًا ما زال شهيرًا إلى أيّامنا هو دير مونتي
كاسّينو حيث توفّي في حوالى
العام 547.
في الغرب يسود الاعتقاد إنّ القدّيس يوحنّا كاسيانُس (+435) الذي تعيّد له الكنيسة في التاسع والعشرين من
شهر شباط هو أوّل مَن كتب عن الحياة الرهبانيّة. بيد أنّ الأب الحقيقيّ للرهبانيّة
في الغرب هو القدّيس بندكتس، إذ إنّه دوّن مجموعة قوانين
للحياة الرهبانيّة الجماعيّة تُعتبر من أهمّ الوثائق في تاريخ الرهبانيّة الغربيّة.
تتّسم هذه القوانين كلّها بطابع التوازن بين النظام والعفويّة المشروعة. واللافت أنّه لم يكن يعرض مثالاً أعلى بقدر ما كان يعرض
برنامجًا عمليًّا، في متناول ذوي الفضيلة، مشدّدًا على طهارة القلب والتواضع
والاهتمام بما هو لله، وواضعًا بدقّة قواعد الصلوات والفروض اليوميّة.
العبارة المفتاح في الحياة الرهبانيّة، بحسب
القدّيس بندكتس، هي "صَلِّ واعْمَلْ". فينبغي
للراهب الالتزام بالبرنامج المرسوم للحياة اليوميّة الذي
يتركّز على تلاوة الصلوات وقراءة المزامير بدءًا من الساعة الثانية صباحًا. أمّا العمل، الذي كان يقتصر على الزراعة، فهو واجب لأنّه يقتضي
بذل المجهود ويشكّل وسيلة للسيطرة على النفس والطاعة وكسب العيش. ويذكّر القدّيس بندكتس بأنّ العمل الرهبانيّ هو
عمل يخلو من المصلحة، لأنّه مبنيّ على الزهد في النفس. فغاية العمل الرهبانيّ القداسة، لا الربح ولا كسب المال. من هنا، يؤكّد بندكتس أنّ الرهبان لا يبحثون في عملهم سوى عن الاكتفاء
الذاتيّ كي يتحصّنوا ويستقرّوا، فلا يكونوا عبئًا على
المؤمنين.
أمّا في ما يتعلّق بالسلطة فكان بندكتس أكثر تشدّدًا على الذين يمارسونها منه على الذين
يطيعونهم، فيذكّر الرئيس "بأنّه ليس حرًّا في استخدام سلطته"، وبأنّه لا
يمتلك "أيّ تسلّط"، فيفرض عليه أن يستشير الإخوة، بمن فيهم الفتيان. ويعترف للرهبان بحقّهم في تقديم الاعتراضات، أي في الحوار، مع
حقّ الرئيس باتّخاذ القرار النهائيّ. فيقول القدّيس بندكتس
في الفصل الثالث من قوانينه: "كلّما وجب البحث في قضيّة هامّة تطرأ في الدير،
يقوم الرئيس بدعوة الجماعة كلّها ويعرض عليها المسألة. ثمّ يجمع آراء الإخوة وينظر
فيها وحده برويّة، ويعمل بعد ذلك بحسب ما يراه الأنسب". أمّا
السبب الذي يدفعه إلى القول بدعوة كلّ الرهبان إلى المشاركة في الاستشارات فهو،
برأيه، "أنّ الله غالبًا ما يُلهم الأصغر سنًّا أفضل الاقتراحات". ويخلص بعد ذلك إلى القول: "لكنّه يليق بالتلاميذ أن
يطيعوا المعلّم، إلاّ أنّه يحسن به أن يأمر، في كلّ
شيء، بتبصّر وعدالة".
كما يوصي القدّيس بندكتس
باهتمام خاصّ بجميع أنواع المستضعَفين (المرضى والأولاد والشيوخ)، وبالضيوف،
وعابري السبيل الذين "لا يخلو الدير منه أبدًا". وهو،
حين يتحدّث في قوانينه عن كمّيّات الأكل والشرب، أو عن العمل، أو حين يفرض أعمال
تكفير وعقوبات، فإنّه يبرهن عن اعتدال يهدف إلى تهذيب النفس أكثر منه إلى تحطيم
الإرادة. من هنا، يسعنا القول إنّه يعمل ذلك بدافع من الروح الإنجيليّة، وبوحي من
محبّة يمكّنانه من المحافظة على توازن كفوء بين العزلة
والحياة الجماعيّة، والصلاة والعمل... ويعتبر القدّيس بندكتس
أنّ على رئيس الدير أن يُظهر "تارةً قساوة المعلّم
وتارةً حنان الأب"، كما يرى أنّ موهبة التمييز هي الموهبة الأساس التي ينبغي
أن يتجمّل بها. فيدعوه إلى
التكيّف في إرشاد النفوس مع ما يقتضيه اختلاف الطباع، ويضيف قائلاً: "فمنهم
مَن يحتاج إلى الإرشاد بالملاطفة، ومنهم بالتوبيخ، ومنهم بالإقناع".
يروى عنه أنّه في آخر حياته تناول الطعام مع
شقيقته القدّيسة سكولاستيكا (تعيّد لها الكنيسة في
العاشر من شهر شباط)، التي شعرت بأنّ هذا اللقاء سيكون الأخير، فطلبت إليه أن
يواصل الحديث في الأمسية، فرفض متذرّعًا بالقوانين. لكنّها صلّت ونالت من الله أن
يُنزل عاصفة أرغمت بندكتس على البقاء معها. المغزى من
هذه الأقصوصة أنّ سكولاستيكا "فاقت أخاها قدرةً
لأنّها فاقته حبًّا". فلا يستطيع حفظُ القوانين
أبدًا أن يحلّ محلّ ممارسة الحرّيّة الروحيّة المتأصّلة في محبّة الله.