وقام في اليوم الثالث

تشير الشهادات الواردة في الأناجيل والرسائل عن قيامة الربّ يسوع من بين الأموات إلى حقيقة قيامة المسيح بالجسد. فالمسيح قام بطبيعتَيه الإلهيّة والإنسانيّة، وكيانه الإلهيّ المتأنّس لم يتخلَّ عن بشريّته التي أخذها بولادته من القدّيسة مريم. لذلك، لم يتخيّل التلاميذ حدث القيامة ولم يتوهّموه، بل كان حدثًا واقعيًّا في الزمان والمكان شاهدوه عيانًا. ولنا في فاتحة رسالة القدّيس يوحنّا الأولى دليل على ما سقناه: "ذاك الذي كان منذ البدء، ذاك الذي سمعناه، ذاك الذي رأيناه بعينَينا، ذاك الذي تأمّلناه، ذاك الذي لمسته يدانا من كلمة الحياة، لأنّ الحياة تجلّت فرأيناها، ونشهد لها، ونبشّركم بتلك الحياة الأبديّة التي كانت لدى الآب فتراءت لنا" (1: 1-2).

يوحنّا الإنجيليّ نفسه ألحّ في الإفصاح عن حقيقة جسد المسيح القائم. واللافت أنّ يوحنّا الذي، أكثر من الإنجيليّين الثلاثة الآخرين، تحدّث عن ألوهة المسيح، معلنًا إيّاه "الكلمة" ابن الله الأزليّ؛ هو نفسه أشار إلى الصفات الحيّة التي ظهر بها جسده القائم. أمّا إصرار يوحنّا على هذا الأمر فمردّه إلى محاربته تعليم الغنوصيّين الذين كانوا يعتقدون أنّ الله هو روح، وتاليًا هو عدو المادّة، فهي في نظرهم نجسة، ولا يسعهم أن يقبلوا بتجسّد للمسيح حقيقيّ. وكانوا يقولون إنّ كائنًا إلهيًّا هو "الكلمة" حلّ ذات يوم في إنسان هو يسوع، وسكن فيه، وبواسطته علّم الناس الحقيقة، ويضيفون أنّ "الكلمة" ترك يسوع عندما أسلم الروح، عائدًا إلى السماء. في مواجهة هذا التعليم المنحرف انبرى يوحنّا يعلن بأنّ ابن الله صار إنسانًا، وسيبقى إلهًا وإنسانًا إلى الأبد.

ثمّة في العصر الحاضر هراطقة ممّن يذهبون مذهب الغنوصيّين، فيرفضون حقيقة القيامة قائلين إنّها من وهم الخيال. ويتذرّع هؤلاء بالفصل بين مسيحَين لا علاقة بينهما: المسـيـح الحقيـقيّ ومسـيح الإيمـان. المسيـح الأوّل معـلّم عـظـيـم انتهـى مقتـولاً عـلى الصليب ومن دون قيامة، والمسيح الثاني محض خيال ابتدع قيامته بعض تلاميذه الذين لم يصدّقوا موته. وتقام الحلقات الدراسيّة وتُنشر الكتب حول "البحث عن (هويّة) يسوع" وسواها من الحلقات التي تشكّك في المسيح ولاهوته، لتفريغ شخص يسوع من كلّ تعليم لاهوتيّ أرثوذكسيّ بني على الأناجيل والتراث الحيّ.

يوحنّا الإنجيليّ، في إنجيل اليوم، يقول عن الكلمة: "والكلمة صار جسدًا" (1: 14). والأولى أن نقرأ "صار لحمًا" عوضًا عن "صار جسدًا" إنْ شئنا الأمانة أكثر للتعبير اليونانيّ. فالكلمة لم يهبط على إنسان ليسكن فيه وحسب، بل إنّ الكائن الذي خرج من هذا الاتّحاد بين الكلمة والإنسان كان كائنًا إنسانيًّا وإلهيًّا معًا. وما تشديد يوحنّا على "اللحم" الذي صاره الإله إلاّ للتأكيد على أنّ الآية الآتية: "المسيح قام" لا تعني أنّه قام فقط في ذاكرة ذويه، أو أنّه يعمل في التاريخ بقوة إنجيله وكلامه، بل تعني أنّه حيّ في حقيقة واقعه إلهًا وإنسانًا، جسدًا وروحًا.

لم يخلع المسيح بشريّته بعد قيامته، لكنّه أدخلها معه في مجده الأبديّ، ذاك المجد الذي ألمح إليه إسطفانُس وهو يشهد لإيمانه بقوله: "ها إنّي أرى السموات منفتحة، وابن الإنسان قائمًا عن يمين الله" (أعمال الرسل 7: 56). كما وصف القدّيس بولس هذه الحالة بقوله: "أجلسه الله إلى يمينه في السموات" (أفسس 1: 20). في هذا السياق ثمّة شائعة راجت متّخذة صفة العقيدة هي أنّ المسيحيّة عدوّة الجسد. والحقيقة هي أنّ المسيحيّة وحدها وضعت الجسد في صميم الله. فالعهد الجديد يحدّد عمل المسيح الفادي بالعبارة الآتية: "بل نحن الذين لنا باكورة الروح نئنّ في الباطن منتظرين التبنّي وافتداء أجسادنا" (رومية :8 23). عمل يسوع المخلّص يعني أن ننال التبنّي الإلهيّ وافتداء أجسادنا.

وثمّة أيضًا من يقلّل من قيمة القدّاس الإلهيّ الذي من دون الاعتراف بقيامة المسيح لا يمكننا أن نتناول جسده ودمه "لغفران الخطايا والحياة الأبديّة" كما يقول نصّ القدّاس، ذلك أنّنا نأكل في ذكرى الربّ جسده ونشرب دمه، جسده القائم ودمه المعطي الحياة. لقد سأل يهود كفرناحوم مستنكرين: "كيف يستطيع هذا أن يعطينا جســده لنأكـلـه؟" (يـوحنّا 52:6). وهنـاك مـن المنحـرفين ممّن يوافقون هؤلاء اليهود استنكارهم فيعتبرون أنّ "جسد المسيح ودمه" هما "تعليمه ومحبّته" وحسب، أو ما قابل ذلك ممّا يعني انتقاصًا لشخص المسيح التاريخيّ. غير أنّنا ردًّا على هؤلاء نقول إنّ "تناول جسد المسيح ودمه الحقيقيّين" هو وحده يحقّق الاتّحاد بين الله والإنسان. فالاشتراك في جسده ودمه هو الدواء لعدم الموت.

أكّد الرسول بولس أنّ المسيحيّة بدون الإيمان بقيامة يسوع هي باطلة ولا أساس لها: "إنْ كان المسيح لم يقم، فتبشيرنا باطل وإيمانكم أيضًا باطل" (1 كورنثس 15، 14). بدون القيامة لا يكون يسوع سوى قتيل بريء ولا يكون أساسًا للرجاء، بل بالحريّ مدعاة للشكّ. والتلاميذ لم يستطيعوا أن يكتشفوا بوضوح وبدون لبس معنى حياة يسوع الأرضيّة إلاّ في ضوء الإيمان بالقيامة. من هنا، لا يتّخذ الاعتراف بيسوع معناه الكامل إلاّ إذا ارتكز على الاعتراف بالمسيح القائم والحيّ. أن تكون مسيحيًّا تستحقّ هذه الصفة يعني أن تؤمن بحقيقة قيامة يسوع بالجسد من بين الأموات. هكذا تشاركه في الإرث الأبديّ.